محمد سعيد رمضان البوطي
264
فقه السيرة ( البوطي )
على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، ما يحدّون النظر إليه تعظيما له . إنها لصورة بارزة حيّة ، أوضحها عروة بن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له ، وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عليها كل مسلم . إنها تدل أولا على أنه لا إيمان برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدون محبة له ، وليست المحبة له معنى عقلانيا مجردا ، وإنما هي الأثر الذي استحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهي تدل ثانيا ، على أن التبرك بآثار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ، ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن تبرك الصحابة رضي اللّه عنهم بشعر النبي صلى اللّه عليه وسلم وعرقه ووضوئه وبصاقه والقدح الذي كان يشرب فيه ، وقد ذكرنا تفصيل بعض هذه الأحاديث فيما مضى « 1 » . وإذا علمت أن التبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع ، فضلا عن التوسل بذاته الشريفة . وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته صلى اللّه عليه وسلم أو بعد وفاته ، فآثار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وفضلاته ، لا تتصف بالحياة مطلقا ، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أو بعد وفاته ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في باب شيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومع ذلك : فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وراحوا يستنكرون التوسل بذاته صلى اللّه عليه وسلم بعد وفاته ، بحجة أن تأثير النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد انقطع بوفاته ، فالتوسل به إنما هو توسل بشيء لا تأثير له البتة ! . وهذه حجة تدل - كما ترى - على جهل عجيب جدا ! . . فهل ثبت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته ، حتى نبحث عن مصير هذا التأثير من بعد وفاته ؟ ! . إن أحدا من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جل جلاله ، ومن اعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم . فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره صلى اللّه عليه وسلم ، ليس هو إسناد أي تأثير إليه ، والعياذ باللّه ، وإنما المناط ، كونه صلى اللّه عليه وسلم أفضل الخلائق عند اللّه على الإطلاق ، وكونه رحمة من اللّه للعباد
--> ( 1 ) تقدم .